Ukraine - Top
تعتبر أوكرانيا مسألة تشغيل السيل الشمالي 2 موضوعا يرتبط بأمنها القومي.:.يعمل فريق من الخبراء الجزائريين في أوكرانيا على مشروع إنشاء ورشة صناعة الطائرة الجزائرية بالشراكة مع الزملاء الأوكرانيين.:.قريبا مُنتدى الجالية العربية في أوكرانيا: التحديات و الحلول.:.قيمة الدولار 27 غريفنة.:.قيمة اليورو 32 غريفنة.:.قيمة الروبل 0.36 غريفنة.:.درجة الحرارة 19 .:.درجة الحرارة 18 .:.تصدر شبكة الأوراس الإعلامية صحيفة "حول أوكرانيا" الناطقة باللغة العربية و يمكن تحميلها في وسائط التواصل الإجتماعي بعد الإشتراك


الأخبار الأوكرانية

الملفات

الأسرة

الثقافة و الأدب

إعلانات

مدوّنــــات




تجربة ناجحة

الطباخ الموهوب إبراهيم الواوي: نحن سفراء الطبخ العربي في أوكرانيا





وجوه واعدة

2021-05-26 18:38:29


أوراغ رمضان

إنّ ثقافة الإغتراب لدى أهل الشام التاريخي مُتجذرة منذ قرون، فنلمسُ لأهلها أثراً عميقاً في أمريكا الجنوبية و في إفريقيا، و طبعا في العالم الغربي، فجُل المُهاجرين من تلك الأرض يُواصلون درب أجدادهم و سلفهم و الذي يقترنُ بالحضارة الفينيقية في ذلك الفضاء، فالشاب إبراهيم محي الدين الواوي هو إمتدادٌ منطقي لتلك الثقافة وَ الأداء التاريخي في البحث عن الذات و نقل التجربة إلى جُغرافيا الغير.
بدأَ الشابُ إبراهيم في سرد تجربته العملية في مجال الطبخ بشكل عفوي وَ بسيط، و لكنه في نفس الوقت كان ينتقل بين حلقات ذاكرته الشبابية بكل مرونة و شعرتُ أنه ما زال يحمل في ذاته زخم المُغامرة و المُجازفة من أجل صقل مواهبه وَ التعرّف أكثر عن أسرار الحياة و المهنة التي يعشقها – فهو في نفس اللحظة يُحاول أن يتذكر حيثيات مشواره الإغترابي، و تجده يُتابع عمله في المطبخ بكل عناية وَ دقة، و لذلك يُمكن أن نصفه برجل المهنة وَ الرجل العملي.

بينماً كُنا نتجاذب أطراف الحديث إقترب منّا رجلٌ كهل و تبدو عليه علامات الحكمة و التجربة وَ بنظره الثاقب ألقى علينا السلام وَ تبادل بعض الحديث مع ضيفي، و ثم عرّفني الشاب إبراهيم بأنه الأب الفاضل، و هو الذي في حقيقة الأمر يُديرُ كل هذه الماكينة العائلية و يسهر على نجاحها. أكد لي الأب محي الدين الواوي بأنّه ينشط في مجال التجارة، حيث يقوم بتسويق الأجهزة الكهربائية المُستعملة و حتى قطع غيارها، و هو يقوم بنفسه بتجزئتها وَ ترتيب أولويات القطع الدقيقة حسب طلب السوق، إنتقل إلى هذه المهمة بعد أن جرّبَ حظه في البالي، و هي نفس الفلسفة التجارية المُرتبطة بتسويق التجهيزات المُستعملة كما يُطلق عليها باليد الثانية، و هنا نلمسُ الإيقاع الوراثي الذي يُوصلُ بين الأباء و الأجداد في مهمة الإغتراب المهني، فالرجل أساسا يحمل لمهارة مُعينة و ثم يقوم بتطويرها و التأقلم مع الوسط الذي ينزل به ضيفا و ثم مُواطناً.

غادرَ الشاب إبراهيم مقاعد الدراسة من الصف التاسع بالشام ليلتحق بالعمل في الأردن قبل إندلاع الأزمة السورية لينخرط في تجارة المواد التموينية بين البلدين الشقيقين، و عندما تأزّمَ الوضع السياسي على خلفية ما يُعرف بالربيع العربي إستقرّ في المملكة الهاشمية و مارس مهنة الطبخ، وَ في هذه المرحلة بالذات قام على تطوير موهبته و توسيع أفُقَ عمله الميداني في هذه الصنعة المُقترنة بفن الطبخ الشرقي – و لكن الأزمة في السورية أدّت إلى وفود لعدد كبير من أهل المهنة مما كثّف مُناخ المنافسة و تضاءلت الفرصة في هذا المجال.

الهجرة إلى أوكرانيا

مع العلم أنّ الأب الفاضل محي الدين الواوي – أبو رشيد – كان في أوكرانيا مع الأسرة ينشط في مجال البالي منذ عشرين عاماً، و لذلك إرتئى الشاب إبراهيم أن يلتحقَ بموكب الأسرة وَ يُغامر على هذه الموجـــة، و ها هو يجد نفسه بين هذه الرؤوس باحثاً عن مُستقبله كحامل لمهارة فن الطبخ بالهوية الشرقية. طبعاً قامَ الأب بمُساعدته و إرشاده لكي يجدَ طريقه دون أن يقع في الأخطاء التي وقع فيها سابقوه، فكان يعمل بحذر و على مسافات قصيرة لكي يقوى و يتمكن من السوق – فهو يظل شاباً وَ في أمس الحاجة إلى توجيه الأب أبو رشيد.
وَ ثمّ إرتئى الشاب إبراهيم أن يأخذ محلا واسعاً ببنية تحتية مواتية للنفس العربي الشرقي، و الذي كان سابقا يحمل تسمية "موّال" ليصبح "بيتاً شامياً" كون الأكل شرقياً و بالأحرى شامياً، و هذا طبعاً يستقطبُ مُمثلي الجالية العربية للأكل و تذوق الوجبة المفضلة التي تعود بذاكرتهم إلى البيت بين الأهل، و حتى أنه كان يُفكر في توسيع جُغرافية الوجبات الشرقية لتشمل الأكل المغاربي مثل وجبة الكُسكُس، و تم إستقطاب الشاب عزيز ليُجرّبَ هذه الفكرة عبر إنزال وجبة مغاربية مرة في الأسبوع، و قد نجحت التجربة و لكن الشاب سافرَ إلى الوطن تاركاً وراءه هذه الفجوة، و ثمّ حاولَ رجل الأعمال الشاب إبراهيم ملء هذا الفراغ بتجربة ليبية مُماثلة بجلب مواطن ليبي و هو سُفيان، و يظل المشروع قيد الدراسة و التجربة.

ثقافة الوجبة الشرقية في أوكرانيا

و بخصوص الترويج و إدماج الأكلة الشرقية في المُجتمع الأوكراني أكد لنا الشاب إبراهيم بأنَّ نسبة الزبائن من الأوكرانيين تصل إلى أربعين بالمئة، حيث أصبحَ المواطن الأوكراني يُثمّن الوجبة الشامية و يقبل عليها و يستطقب أيضاً معارفه و أسرته بالدرجة الأولى، و هي آلية حثيثة لمشروع التواصل الثقافي بين مُختلف مُكونات المُجتمع الأوكراني. وَ في هذا السياق طرحنا على إبراهيم سؤالا منطقياً:"نحن نعرفُ بأن المواطن الأوكراني يُفضل أن يتذوق الأكل اللذيذ مع كأس من الخمر، فكيف تُعالجون هذه المسألة؟"، فأجاب إبراهيم: " نحن نشرحُ للزبائن هذه المسألة و هم يتفهمون وَ يتعاملون معنا وفق قواعدنا و إحتراماً لتقاليدنا وَ ضوابط عقيدتنا، بحيث يتناول الوجبه و ثم ربما يأخذ معه قسماً من الأكل معه إلى البيت و هناك له الحق الكامل أن يتناول ما يُريد".

الحقيقة أنّ مسألة حظر الخمور في بعض المطاعم الشرقية في أوكرانيا من طرف القائمين عليها تُعتبرُ جزءاً لا يتجزء من العمل الدعوي وَ التعريف السلمي و السلس بالثقافة الإسلامية، و كما نعرف أن الدين هو المُعاملة، و قد إنتشرَ الإسلام في كثير من الأقطار و الأمصار عبر تاريخ البشرية بفضل الإحتكاك الإجتماعي و التواصل التجاري، و هنا تبرز عبقرية العنصر الشرقي في طريقة تعامله المرنة لنشر أفكاره و تعريف السكان الأصليين بدينه و ثقافته. في حين نلمسُ أداءًا مُغايرا لهذا النمط من بعض المغتربين، فتجد صاحب المحل يضع علامة (حلال) على باب مطعمه و لكن تجد رفوفه مملوءة بالخمور، و حتى أنه يُكشر على نفسه المادية لتقرأ في عرضه بالخط العريض أنه يُقدم مشاوي للحم الخنزير، و تطرحُ على نفسك السؤال المنطقي: هل يقوم الطباخ ذاته بتقطيع أشلاء لحم الخنزير بنفس السكين، الذي يُقطع به أجزء لحم الخروف الحلال؟ و هل يستعملُ نفس الصحون وَ الأدوات و حتى الفرن؟ لما كل هذا النفاق و كما أنه يأخذ ثمن المشاوي الحلالية مُضافة إليها ضريبة "الحلال" التي غالباً ما تكون بالضعف – في الحقيقة هذا أداء مُقرف و سمج. كما تجد أنّ بعض اللحامين يقتنون اللحوم من نفس المسلخ و يُضيفون أسعاراً خيالية على ما يُعرف بالحلال (ضريبة الدين)، في حين أنه تم تحضير لحم (غير حلال) بنفس المسلخ بسعر منخفض – ما هذا النفاق و الإستخفاف بعقول أبناء النسيج المُسلم؟و يذهبُ الأمر ببعض التجار إلى أن يضع علامة (حلال) على التمور و العسل؟ كفى نفاقا و بُهتاناً.

ضريبة الحلال

يُقال في هذا السياق بأنّ جل الأئمة يؤكدون على أنه يجوز أكل لحم أهل الكتاب، المقصود هنا أغلبية الأوكرانيين الذين يعتنقون الديانة الأرثوذوكسية، و من هذا الباب، لربما أكل اللحم الذي يذبحه الريفي الأوكراني (و هو مسيحي)، و تعرضه زوجته في الأسواق العامة أو على مدخل قطار الأنفاق هو "أحلّ" من تلك اللحوم التي يقوم التجار المحليون للحلال بإقتنائها من مسالخ كبيرة لا تعرف هل حقا تم ذبح البقر فيها على الطريقة الإسلامية؟ يظل هذا السؤال مطروحاً...

و عودة إلى إبراهيم الذي أفادَ بأنه يقوم أيضاً بطبخ الأكلات الأوكرانية التقليدية مثل "البورش" و "اللوغمان"، على الطريقة الشرقية و حفاظاً على الوصفة الأصلية، و يقبل عليها الزبون العربي و الشرقي من كل صوب، و طبعاً الزبون المحلي يُثمّن هذه التجربة الإندماجية. و ثم سألناه عن الأكلة الإستثنائية التي يقوم بطبخها بنفسه و تعتبر "جوهرة" مملكته، فأجاب بأنها أكلة "المصران"، و القليل من المطاعم الشرقية في كل أوكرانيا التي تُغامر لتعرضها للسوق لأنها أكلة تحتاج الكثير من الوقت و التكاليف الفنية و طبعا المهارة في التحضير و الطبخ.
أما ما يخص المُركبة الثقافية و الأخلاقية لأداء إبراهيم فأشار بأنه مرة جاءهُ طلب لإستضافة عُرس زفافي لأسرة أوكرانية بمبلغ لا يقل عن خمسين ألف غريفنة، و هو كان في أمس الحاجة لهذا المبلغ، و تم الإتفاق المبدئي بخصوص الأسعار و الخدمة، و لكن عندما وصل الأمر إلى ما يُعرف بالمشروب الروحي (الكحول) أجاب إبراهيم محي الدين الواوي الشامي المُسلم بكل أريحية و راحة بال بالرفض: "نحن مُستعدون لتقديمكم كل الخدمة و لكن نحن نرفض رفضاً باتا أن يُتناول الخمر في هذا المحل"، و حينها تم إلغاء الإتفاق فقط لأن الشاب إبراهيم رجل مبدئي، وَ لا يريد أن يخرق مواثيق الخالق مولى تعالى، و طبعاً سيُعوضه الله في مكان و ظرف آخر بدون شك.

أمّـــا بخصوص تسمية "البيت الشامي" فأكدنا لرجل الأعمال الشاب إبراهيم الواوي بأنه سابقاً كان يعمل مطعم عربي بتسمية "الشام" و كان عليه إقبال غزير و لذلك ربما هذه التسمية ستعمل على تعويض ذلك النقص، و سيتم إستقطاب زبائن المحل السابق بطريقة لا شعورية، فوافقني الرأي...
و لكن عندما سألناه فجأة و نحن نُودعه:"هل ندمت على ترك الدراسة في ذلك العُمر المبكر؟"، كانت إجابته واضحة:"نعم"، و لكن لمسنا في نظرته بريق الأمل وَ التفاؤل، فهو في مُقتبل العُمر، ربما سيُواصل دراسته في أوكرانيا بالإلتحاق بمعهد أو مركز لصقل موهبته أو أن يجد طريقا آخراً أهم من كل هذه التجارب – فالسيناريوهات كلها مفتوحة أمام إبراهيم، و طبعا الوالد الفاضل محيي الدين الواوي سيقوم بإرشاد الإبن العزيز و الغالي.


المصدر: بيت الإبداع العربي

comments powered by Disqus

المقالات السابقة