Ukraine - Top
يُطلق الرئيس زيلينسكي مشروع المنتديات الأسبوعية ضمن حوار وطني شامل تحضيرا للذكرى الثلاثين لإستقلال أوكرانيا.:.محاضرة حول آليات تشكيل مجلس رجال الأعمال الأوكراني الجزائري.:.هناك فرصة للحصول على تكوين عالي الجودة في أوكرانيا بشرط أن تنجح في إمتحان مركز الأوراس للدراسات الإستراتيجية.:.قيمة الدولار الأمريكي 28.15 غريفنة.:.قيمة اليورو 34.30 غريفنة.:.قيمة الروبل الروسي 0.38 غريفنة.:.من المُحتمل أن تصل درجة الحرارة في 16 فبراير إلى ناقص 23 درجة مئوية.:.إحتمال تساقط الثلوج خلال يوم 11 فبراير حتى المساء.:.مواضيع مهمة حول تقنيات النصب و الإحتيال على الطلبة العرب في أوكرانيا – ملف خاص مع خبراء


الأخبار الأوكرانية

الملفات

الأسرة

الثقافة و الأدب

إعلانات

مدوّنــــات




موقع أوكرانيا في العالم

من المُذنبُ في كارثة تشيرنوبل النووية – الجزء الأول





نكبة القرن

2021-04-08 18:41:34


أوراغ رمضان

شهر أبريل يُعتبر مُهمًّا في منظومة التواريخ الرسمية للدولة السوفياتية، ففي 12 أبريل 1961 م تمكن رائد الفضاء السوفياتي يوري غاغارين من الإنطلاق على متن مركبة (الشرق 1) من سطح الأرض ليخرج إلى الفضاء الخارجي و يقوم باللف حول كوكب الأرض و كان ذلك إنجازا تاريخيا ليس فقط للدولة السوفياتية و لكن للإنسانية جمعاء. و نفس الوقت هذا الشهر يحمل في طياته أحداثا أخرى بطبيعة مُعاكسة لقد وقعت الكارثة النووية بالقرب من مدينة بريبيات الأوكرانية في محطة تشيرنوبل الذرية لتوليد الطاقة الكهربائية يوم 26 أبريل 1986 م
لقد إستغرقت ومضة الإنفجار في مقصورة المُفاعل الرابع ثلاث ثواني و نصف الثانية و لكن عواقب هذه الآنية ستنعكس على مُستقبل الإنسانية لفترة لا تقل عن عشرين ألف سنة، إن هذه النكبة تخص كل مُواطن على سطح الأرض حتى و لو كان حينها جنينا في رحم أمه و ثم ستخص كل الحضارة و التي ستأتي بعدنا و بعد أحفادنا و أحفاد أحفادنا – إنها لعنة النيوترون البطيء.

ففي تلك اللحظة لم يكن يعلم طاقم المناوبة في غرفة التحكم التي كان يُتابعها المهندس ألكسندر آكيموف حجم الكارثة التي تنتظر الجميع و كيف يلزمُ التعامل مع الإنفجار، لقد تم مُعالجة النكبة كحادثة إندلاع حريق في مبنى ضخم و تم الدفع برجال المطافئ إلى عين المكان – فكانت طقطقة الإشعاع النووي مسموعة عبر أسلاك الهاتف و التلغراف التي أستُعملت للتواصل بين مُختلف دوائر السلطة و الهيئات الأمنية و الدفاعية، و كانت الصور التي ألتقطت من المفاعل بإستعمال الطرق التقليدية بعد تحميضها مملوءة بالبقع السوداء نتيجة إختراق الجُسميات الأولية السريعة و إشعاعات غاما القاتلة، وَ في تلك اللحظة صُعقَ الجميع و إرتئت القيادة السياسية التكتم عن الحدث و عدم تناوله إعلاميا – كان ذلك الصمت بمثابة الخطيئة الكُبرى التي إرتكبتها اللجنة المركزية للحزب السيوعي في حق الإنسانية.

ثلاثون رجلا من قسم المطافئ

ثلاثون رجلا من مصلحة المطافئ تم الزج بهم في النيران التي بدأت تلتهم الحديد و الإسمنت لإطفاء اللهب – إنها ليست بنار عادية، كانت تلك الألسنة مُشعة قادرة على تحويل طبيعة الأشياء و تحطيم قوام المادة الصماء و نزع الأرواح دون رحمة. ثلاثون رجلا كانوا يظنون بأنهم سيخمدون النيران مثل ما كانوا يفعلون ذلك خلال كل حياتهم المهنية – لقد إنطلقوا دون لباس خاص أو أي واقي لهم من الإشعاع فقط الطاقم العادي الذي كان في خزانتهم في العمل، و كانت رحلة دون عودة.
قامَ رجال المطافئ عند وصولهم إلى ذلك الجحيم برش بؤرة الحدث بـأطنان من المياه القادمة من صهاريج الشاحنات تحت ضغط المضخات و هم مُقتنعون أن الأمر يخص حريقا عاديا إندلع في أحد عنابر المحطة – فإن تلك المياه أصبحت وسطاً مشعا ناقلا لجُسيمات الموت البطيء. وَ أصبح رجال المطافئ جزءاً مُكمّلا لنافورة الإشعاع و هم ذاتهم بدؤوا يُشعون السم النووي في الجو.
و توفى شخصان من ذلك الفريق في نفس الليلة و أما الآخرون فصارعوا الموت في المستشفيات و غادروا الحياة بعد أيام و حتى كان منهم من قاوم لعدة أشهر. وَ لكن المصائب ستأتي لاحقا وَ مئات الآلاف من البشر يقومون بنقل التشويه الجيني بسبب الإشعاع النووي لأولادهم و لأحفادهم لأجيال و لأجيال.

كان يوما مشمسا

كان يوما مُشمسا ربيعيا في مدينة بريبيات السوفياتية بالقرب من عاصمة الجمهورية الأوكرانية على بعد مئة كيلومتر، كان يوم الجمعة الموافق لـ 25 أبريل 1986 م مثل باقي أيام الفصل، مدينة بعدد سكان يقارب 43 ألف نسمة تعيشُ حياتها الطبيعية – الأطفال في الروضة و الكبار في العمل أو في البيوت أو يتنزهون في حدائق و شوارع المدينة و هم لا يعرفون بأنه آخر يوم سلمي في حياتهم.
على مسافة ثلاثة كيلومترات من تلك المدينة في تلك اللحظة كانت محطة تشيرنوبل الذرية تعمل بشكل طبيعي و كانت أنوية اليورانيوم تنشطر تحت تأثير النيوترونات البطيئة لتهيج المقصورة في قلب المفاعل الرابع و لكن برقابة صارمة من غرفة المراقبة قبل أن يُتخذ القرار بتخفيض إستطاعته إلى النصف و إجراء التجربة الملعونة – فكانت القضبان الماصة للنيوترونات جاهزة في أي لحظة للإنزلاق وفق سكتها إلى عُمق منطقة الجمر النووي لتوقف عمل المفاعل و تُخمده. كان تلامذة المدرسة في المدينة يعرفون هذه الأمور في الأقسام النهائية و ليس سرا، فالتعليم السوفياتي كان من أرقى أنظمة التعليم عبر العالم – فالطالب البسيط كان يعلم بأن الكاديميوم و البور يمتصان النيوترونات و الفحم يُبطئها.
ففي تلك الليلة الجميع يستعد للعمل في ظورف خاصة، هناك برنامج عمل لإجراء تجربة نظامية في المفاعل الرابع و مضمونها هو مُحاولة توليد طاقة كهربائية إضافية في حال التوقف المُفاجئ للمحطة و كان الخبير دياتلوف يتنقل بين مختلف المقصورات ليُرتب سيناريو العمل وفقا للبرنامج. و في الساعة الواحدة و 23 دقيقة و 47 ثانية بعد مُنتصف الليل و هي بداية يوم 26 أبريل 1986 م وقع ذلك الإنفجار التاريخي في المفاعل الرابع.

وَ لو عُدنا في الزمن إلى الوراء فإنّه خلال إستغلال المحطة وفقا للمعايير الفنية الصارمة فقد تم تسجيل خمس حوادث في المحطة و كذلك كان هناك توقف مفاجئ غير مُتوقع لمختلف التجهيزات و بلغ عددها 63 حالة – و يُعزى ذلك إلى أخطاء نظامية في تصميم المحطة من طرف المؤسسات السوفياتية المعنية، و بلغة أخرى هناك خطأ في التصميم و هي إحدى الروايات الواردة في التقارير (الإعلامية).
يُمكنُ محاكاة إنفجار المفاعل الرابع بالقنبلة الإشعاعية و التي تُستعمل كسلاح لنشر المواد المشعة بعد تفعيل الصاعق التقليدي، حيث أدّى ذلك إلى إنتشار أنوية اليود و السيزيوم في الجو و قد سحبتها الرياح إلى عُمق أوروبا بسبب إنفجار المقصورة المملوءة بالوقود النووي في قلب المفاعل – فكانت المنطقة المحيطة بالمحطة بشعاع هندسي قدره 30 كم يُطلق عليها بالمنطقة الخالية، حيث تم إجلاء 115 ألف نسمة من تلك المنطقة على خلفية الحادث المُرعب.

لم يتم إعلام سكان مدينة بريبيات بالفاجعة؟

لم يتم إعلام سكان مدينة بريبيات بالحادث و قد إستيقظ المواطنون في صباح يوم السبت و هو يوم عُطلة و كانت الأمور عادية – و لكن كان هناك خبر بدأ ينتشر هو أنه حدث حريق في المحطة الذرية و أدى ذلك إلى وفاة بعض الموظفين و كذلك السكان شاهدوا إنتشار قوات الجيش في المدينة و هناك مدرعات تجول بالشوارع ببطء و كان لباس العسكريين غريباً فهم كانو يضعون أقنعة على وجوههم و يلبسون معاطفا خاصة و يبدوا أنها ثقيلة و هذا كان واضحا من طريقة المشي.
و رغم السرية التامة شعرَ سكان المدينة بأنه شيء غريب قد طرأ، حيث كان المواطنون يحسون بذوق المعدن على ألسنتهم، و هو شعور يعرفه العمال في ورشات التعدين و الحدادة – حيث أنه عندما تقوم بنشر المعدن أو صقل مساحته فإنك ستشعر بتلك الرائحة الغربية للمعدن و بذلك الذوق، فهو نفس الشيء بدأ ينتشر في أجواء المدينة. إنه كان عنصر اليود المُشع الذي تبخرّ في الهوء على إثر الإنفجار برفقة عنصر السيزيوم.

و لقد بدأ فريق من المهندسين و الفنيين يقيسون بأجهزة خاصة نسبة الإشعاع في الجو، فالقيمة المقبولة هي 12 ميكرو رينغن، و لكن المقياس أعطى رقما مُرعبا في الصباح، حيث أن الإشعاع إرتفع من القيمة المقبولة بـ 15 ألف ضعف، و لكن الرقم الذي تم تسجيله في مساء ذلك اليوم كان خياليا لقد إرتفعت نسبة الإشعاع عن القيمة النظامية بـ 600 ألف ضعف، فهو دليلٌ على أنّ المفاعل كان يُواصل ضخ شبح الموت على المدينة بوتيرة عالية و قريبا فإن المنطقة ستتحول إلى مقبرة حقيقية لكل سكان المدينة.
فجسم الإنسان قادرٌ على إمتصاص سنويا ما يعادل 2 رينغن دون أي عواقب على صحته، و لكن في ذلك اليوم لقد تحول المفاعل الرابع إلى مصدر للإشعاع بشكل كثيف، و كان على السلطات إعلام المواطنين باللجوء إلى البيوت و غلق النوافذ بشكل مُحكم مع تناول أقراص من اليود (العادي) للتخفيف من شدة الإشعاع – و لكن لم يتم ذلك للأسف – كان هناك تعتيم كامل.
و بعد 36 ساعة من الحادث دخلت قافلة من آلاف الحافلات إلى المدينة لإجلاء السكان في آن واحد، و هذا لدليل على أن السلطات كانت تحضر لهذه العملية و تمّت مداهمة السكان بالخبر المُفزع و هو ترك المدينة من أجل تنظيفها و تعقيمها للعودة بعد ثلاثة أيام – وَ خلال بضع ساعات تحوّلت تريبيات إلى مدينة أشباح، حيثُ تم إجلاء 43 ألف مواطن خلال ثلاث ساعات و نصف الساعة. و لذلك تركوا كل شيء في البيوت و غادروا على أمل العودة و لكنهم لم يعودوا، في حين هناك من رفض المغادرة و بقي في المدينة إلى حد الآن.

الموت على نار هادئة لإشعاع غاما

لقد إمتص المواطنون جرعة قوية من الإشعاع قادرة على تغيير تركيبة الدم في جسمهم و إستفزاز بروز الخلايا السرطانية، و في نفس الوقت بقي طاقم من الخبراء و العلماء ضمن لجنة التحقيق و منهم من قدم من مراكز البحوث و الامنيون أيضا و قد نزلوا ضيوفا على فندق تريبيات ليباشروا مهماهم في معالجة هذه النكبة من جميع النواحي. صمت كامل حول الموضوع خلال أربعة أيام و ثم في اليوم الخامس بدأت الصحافة تتحرك و تنشر بعض الأخبار المتفرقة برقابة صارمة من اللجنة المركزية، في حين تم تسجيل إنتشار سحابة الإشعاع في دول أوروبية و بدأ العالم يضغط على السوفيات للكشف عن الحقيقة – و في اليوم الثامن عشر صرّح الرئيس السوفياتي ميخائيل غورباتشوف عن النكبة في محطة تشيرنوبل النووية.
لقد تمكّن الأمريكان من تحديد مكان الحادث عبر أقمارهم الصناعية من الفضاء، و لكن السلطات السوفياتية كانت تحاول التستر عن الأمر و في عمق المحطة حيث ان إرتفاع درجة الحرارة العالية أدى إلى خرق في البنيان و القاعدة الخرسانية مما جعل ما لا يقل عن 1200 طن من المواد المشعة تتصاعد و تُرسل السحابات السامة في الجو و في عمق الأرض.
كما بدأت المروحيات العسكرية تصب على المفاعل الرابع أطنان من الرمل و كذلك حمض البوريك الذي يساعد على تخفيض نسبة الإشعاع، كما تم رمي ما يفوق 2400 طن من معدن الرصاص بمختلف الأحجام و الأشكال، حيث أن الرصاص يذوب تحت تأثير درجة الحرارة المرتفعة و يبدأ في تشكيل مقصورة مغلقة حول بؤرة الوقود النووي المنصهر، و لكن هناك واجهة أخرى لهذه الظاهرة ليس كل الرصاص يظل في المحطة فهناك جزء يبدأ في التصاعد و الإنتشار في الجو، حيث تم إلتقاطه في جسم المتطوعين الذين كانوا يحلقون فوق المفاعل على متن المروحيات – حيث كان الطيار يمتص كميات قاتلة من الإشعاع خلال تحليقه فوق المفاعل المنكوب – فسبب الإشعاع يبدأ اللحم يذوب و يتشالى و حتى العظم بدأ يتحطم و هو منظر مؤلم و لا يمكن رؤية كيف كان الطيارون يحتضرون على أسرّة الموت.

و الحقيقة أن تلك السحابات المشعة تمكنت من لف الكرة الأرضة ثلاث مرات على الأقل تحت تأثير الرياح و ثم كانت تتهاطل الأمطار و الثلوج عبر العالم و هي تحمل لجسيمات مشعة خطرة في طيات الغيوم القاتلة – إنه الثمن الذي دفعته البشرية على إثر إندلاع الحريق في المفاعل الرابع أو بالأحرى الإنفجار.
و لكن ما يتعلق بمدينة كييف التي كانت على مرمى الحجر من بؤرة الإنفجار كان مستوى الإشعاع يفوق العتبة الطبيعية بألف مرة على الأقل و لكن السلطات السوفياتية قررت الإحتفال بأعياد شهر مايو التقليدية و هي أول مايو (عيد العمال) و التاسع مايو (و هو عيد النصر) – و كان ذلك أداءً غير مسؤول من طرف الساسة و من اللجنة المركزية السوفياتية.
و في غضون تلك الفاجعة فإن المفاعل الأول و الثاني و الثالث واصلوا العمل في توليد الطاقة الكهربائية لأن توقيفها ربما سيؤدي إلى كرثة أخرى و تم توقيفها بشكل نهائي فقط في مطلع الألفية الثالثة – هذا يعني أن فريق العمل في المحطة الذرية واصل في تأدية واجبه المهني قرابة 15 سنة دون هوادة.
منطقة قطرها 60 كم لا تصلح للحياة لفترة لا تقل عن عشرين ألف سنة

في الجزء الثاني سنتطرق إلى سبب الإنفجار


المصدر: أكاديمية الأوراس للعلوم الدقيقة و التطبيقية

comments powered by Disqus

المقالات السابقة